01/04/2026
ُ_إلى_قطب_القارة_و_إمام_الأصوليين_العلّامة_قطب_سانو_حفظه_الله.
حين أستدير بذاكرتي إلى مطالع الطريق، وأسترجع أول خيوط الحكاية، أجدني أقف عند سنة 2007، صبياً غضّ الإهاب، في الصف السادس الابتدائي بمدرسة دار الحديث في مدينة دوكوي؛ لم أكن يومها قد خبرتُ من الحياة إلا يسيرها، ولا جاوزتُ حدود بلادي، ولا خالطتُ من تجارب الأيام إلا أوائلها.
في تلك المرحلة، قيّض الله لي أستاذاً فاضلاً، سُماته/ عبد الله دومبيا - حفظه الله وجزاه عنا خير الجزاء - كان كثير الذكر لنابغةٍ من نوابغ القارة- قطب القارة، أعجوبة الزمان - يستحضر اسمه كلما دار الحديث عن الإلهام وما يتجلّى به على قلوب بعض العلماء من نفحاتٍ ربانية. ولم يكن يرى ذكاءه أمراً مألوفاً، بل كان يراه وهجاً متفرّداً، يجاوز حدود العادة ويستوقف النظر.
ثم انحسر ذكر ذلك الاسم عن سمعي ردحاً من الزمن، لا سيما في سنواتي الأولى من المرحلة الثانوية بدار الحديث بؤاكي، بين 2010 و2013، حيث شغلتني تقلّبات الدراسة، وصوارف الحياة.
حتى إذا دار الزمان دورته، وساقتني الأقدار إلى مدينة أنياما، حيث كان جدّي - رحمه الله - مقيماً، وجّهني إلى دار القرآن الكريم التي أسّسها الشيخ با إسحاق - رحمه الله رحمةً واسعة. وهناك، بعد أن أتممتُ حفظ القرآن الكريم، استأذنتُ في حضور مجلسه، فأذن لي بوجهٍ طلق.
وفي يوم من أيام عام 2015، ونحن على مائدة العلم ندرس كتاب / مراقي السعود لمبتغي الرقي والصعود، إذا بي فجأةً تقع عيني على كتابٍ بيد الشيخ با إسحاق – رحمه الله – فاستوقفني المشهد قبل العنوان؛ ثم لمّا دقّقتُ النظر، قرأت/ صناعة الفتوى المعاصرة؛ لنبراس القارة، المجدد، الفخر و العمدة/ قطب سانو- الله يحفظه- وكان الاسم المدوّن على غلافه مألوفاً في داخلي، كأنه ذكرٌ قديم يستيقظ من سباته.
غير أنّ موطن الدهشة لم يكن في الاسم وحده، بل في كون الشيخ با إسحاق – رحمه الله – على سعة باعه في العلوم، وانغماسه في دقائق الشريعة، يُقبل على هذا الكتاب إقبال المتأمّل المتتبّع. فهاج في نفسي سؤال، واستيقظ فضولٌ قديم، فسألته عن صاحبه، فأجابني بكلماتٍ موجزات، لكنها راسخات: إنه عالمٌ جليل، بلغ الغاية في علمي الأصول والمقاصد.
كانت تلك الشهادة - الصادرة عن قلبٍ معمور بالعلم والتقوى - كفيلةً بأن تُحدِث في داخلي انعطافةً حاسمة؛ إذ دفعتني إلى تتبّع آثار هذا العلّامة، والتعرّف إليه من خلال مصنّفاته قبل لقائه.
ثم لم تلبث هذه الشهادة أن تعاضدت مع أخرى، حين سمعتُ الثناء ذاته من العلّامة الأديب المفسّر، الشيخ موسى شريف المفتي - حفظه الله - في مجلسه العلمي عام 2015، حيث أثنى عليه ثناء العارف، وأشار إلى منزلته الراسخة، لا سيما في علم الأصول. فازددتُ يقيناً بأن شهادة العلماء لبعضهم هي العمدة، وهي القول الفصل الذي لا يُجارى.
عندها، وجدتُ نفسي وقد أُخذتُ بهذا الاسم أخذَ المُغرم، فعزمتُ على البحث عن كتبه، وكان أول ما وقع في يدي منها / كتاب صناعة الفتوى المعاصرة، فكان مفتاح الدخول إلى عالمه العلمي الرحب.
ثم شاءت الأقدار أن ألتحق بالجامعة القاسمية في الشارقة ( الإمارات العربية المتحدة) سنة 2017، تلك الحاضنة العلمية الوارفة، التي أرسى دعائمها صاحب الأيادي البيضاء، الشيخ سلطان بن محمد القاسمي – حفظه الله. وهناك، في مكتبتها، وجدتُ ضالتي؛ إذ توافرت جملة من مؤلفات الأستاذ قطب سانو، إلى جانب كتب ثلّة من مشايخنا( د.فاديغا موسى والمرحوم د. آدم فوفنا).
فأقبلتُ عليها إقبال الظمآن على المورد، فما إن أمعنتُ فيها قراءةً وتأمّلاً، حتى تبيّن لي أن تلك الشهادات لم تكن مجرّد ثناء، بل كانت وصفاً دقيقاً لحقيقةٍ علمية متينة. ثم تابعتُ حضوره في المؤتمرات، فإذا به يأسر السمع واللبّ معاً، ببيانه السلس، وتمكّنه من أدواته، واقتداره البديع على تطويع لغة الضاد.
ولمّا يسّر الله لي لقاءه في بلاد الحرمين 2026 ، في شهر رمضان المبارك، رأيتُ من سمته ما وافق ما بلغني عنه وزاد: حكمةٌ راسخة، وهدوءٌ وارف، وبشاشةٌ صادقة، ولينُ جانبٍ يقرّب ولا ينفّر. فاستحضرتُ حينها ما وقفتُ عليه من سيرته في/ الطفل الهادئ، فإذا الواقع يصدّق المكتوب.
غير أنّي، في مقام النظر الفقهي، أتعامل مع اختياراته كما أتعامل مع سائر مسائل الخلاف؛ نظرُ تمحيصٍ وتحرير، لا نظرُ تسليمٍ مطلق- وهذا أمر طبيعي جدا في صحن العلم، لا سيما في حق طالب في مستوى الدراسات العليا- مهما بلغ إعجابي بدقّة تحليله وعمق تأصيله.( سوف أتوسّع في البيان والتوضيح عنه في مقالة مستقلة، ان شاء الله ).
وإنما أسوق هذه القصة لأُبيّن أن محبتي لهذا العلّامة لم تنشأ عن طارئ، ولا عن وهج حضورٍ عابر في وسائل التواصل، كما قد يتوهّم بعض الناس، بل هي ثمرة مسار طويل من السماع، والشهادة، والقراءة، واللقاء. ويجب العلم أن حبّ الشيخ، لا يلزم منه كره الآخرين.
لقد غدا – في نظري – قدوةً في الدين، ونموذجاً في المسيرة العلمية، على رغم ما قد يحيط به من ظنون المتربصين، وأقاويل المتشككين.
تلك رحلتي معه… بدأت بخاطرٍ عابر في ذهن طفل، وانتهت بي إلى يقينٍ راسخ في قلب طالب علم.
، حبيب العالم الفذّ، سند الأصوليين / أ.د قطب سانو- الله يحفظه-