31/03/2026
مصروف الأبناء (الخرجية)
كيف نُعلّم أبناءنا قيمة المال ونبني لديهم حسّ المسؤولية؟
—————————————
“لا تفكر بالمصاري…ولا يهمك اشتري كلشي بتحتاجه”!
“انكسر الموبايل؟ بشتريلك غيرو بكرى ..لا تهكل هم المصاري…شو ما كان وضعي رح دبرلك حق الموبايل”.
“أبي مغترب وبيبعتلي مصاري كتير وعم اصرف على كيفي”
عباراتٌ نسمعها كثيراً في الحياة اليومية، توحي للأبناء بأن كل شيء متاح وتحت السيطرة، وأن بإمكانهم الشراء دون تفكير أو تحمّل أي مسؤولية.
لكن، كيف نعلّم أبناءنا التعامل المسؤول مع المال؟
لكي يكتسب الأبناء هذه المهارة الأساسية في حياتهم، لا بدّ من منحهم فرصة التدرّب عليها. ويكون ذلك من خلال تخصيص مصروف (خرجية) لكل طفل، يتناسب مع عمره واحتياجاته. يمكن البدء بهذه الخطوة مع دخول الطفل إلى المدرسة، بل إن بعض الأهالي يبدؤون من عمر أربع سنوات، بحسب طبيعة الطفل واستعداده.
قد يتساءل بعض الأهل: ما الفائدة من تخصيص مصروف إذا كنا نوفّر لأبنائنا كل ما يحتاجونه؟
في الحقيقة، الخرجية ليست لتأمين الحاجات، بل هي تدريب عملي على إدارة المال. فعندما يحصل الطفل على مبلغ محدد أسبوعيًا أو شهريًا، يتعلّم كيف يوزّع هذا المبلغ خلال فترة زمنية معينة.
ومن خلال هذه التجربة، يبدأ الطفل بإدراك قيمة الأشياء، ويتدرّب على اتخاذ القرار. مثلًا: هل ينفق ماله يوميًا على أمور صغيرة، أم يدّخره ليشتري شيئًا أكبر يرغبه؟ هذه التفاصيل اليومية تساعده على ترتيب أولوياته، وتنمّي لديه مهارة ضبط النفس.
(مثلاً: معي مبلغ محدد لازم يكفيني أسبوع …بشتري فيه كل يوم علبة بوظة ولا بجمع حق اللعبة اللي بحبها؟ شو اللي بدي ياه بالضبط اللعبة ولا البوظة؟)
هل هناك مبلغ محدد؟
لا يوجد مبلغ ثابت يناسب جميع الأطفال؛ فالأمر يعتمد على قدرة الأسرة المادية. لكن من المهم ألا يكون المبلغ كبيرًا جدًا، حتى لا يفقد الهدف التربوي من الخرجية، وهو تعلّم المسؤولية.
كما يُنصح، خاصة للأطفال دون سن العاشرة، بأن يكون المصروف أسبوعيًا، لأنهم غالبًا لا يستطيعون إدارة المال لمدة شهر كامل.
قواعد أساسية للخرجية:
1. أن تُدفع في وقت محدد وبانتظام، دون التدخل في تفاصيل إنفاق الطفل.
2. ألا تُربط بالمكافأة أو العقوبة، فهي وسيلة تعليمية وليست أداة للثواب أو العقاب.
3. عدم إعطاء الطفل سلفة عند نفاد المصروف، حتى لا يعتاد العيش فوق إمكانياته.
تشير دراسة أُجريت عام 2013 حول “الشباب والمال” إلى أن 29% من الشباب يعانون من ديون متراكمة، ويعود ذلك بشكل أساسي إلى ضعف قدرتهم على إدارة المال، وهو ما يبرز أهمية تعلّم هذه المهارة منذ سن مبكرة
ولا شكّ أن تنظيم الخُرجية ليس امراً سهلاً، خاصة لدى العائلات ذات الدخل المحدود. ومع ذلك، فإن التحدّث بصراحة مع الأبناء حول الإمكانيات المتاحة يمكن أن يكون درسًا مهماً في تحمّل المسؤولية وتقدير الظروف.
فعبارات مثل: “هالشهر ماعنا إمكانية لنشتري بوط جديد لذلك رح نأجلها للشهر الجاي… أو نعمل مطمورة…أونشتري من البالة أو ..) ممكن تساعد الأبناء على فهم الواقع و البحث عن حلول بديلة وخلّاقة.
كثير من الأهالي، بدافع الحب، يحاولون إخفاء صعوباتهم المادية عن أبنائهم، ويوفّرون لهم كل ما يستطيعون، أحيانًا على حساب أنفسهم ( بحجة : بدي حقق لأولادي كل شي انحرمت منه بطفولتي). لكن هذا قد يخلق لدى الطفل تصوراً غير واقعي عن المال، وكأنه متوفر دائمًا دون جهد.
إن الحديث عن المال لا يزال موضوعاً حساساً في كثير من العائلات، كما أنه لا يحظى بالاهتمام الكافي في الأنظمة التعليمية. لذلك تبقى مسؤولية الأهل أساسية في تعليم أبنائهم العلاقة الصحيحة بين المال والاستهلاك.
وفي النهاية ….
إنّ تعليم الأبناء كيف يُديرون المال، عبر الخرجية والحوار الصادق، ليس مجرّد تدريبٍ على الإنفاق، بل هو غرسٌ لبذور الوعي في أعماقهم؛ وعيٌ يجعلهم يرون المال كوسيلة لا كغاية، ويُدركون به حدود الرغبة ومساحة الحاجة .
هو رعايةٌ هادئة لمستقبلهم القادم ، حيث تتشكّل علاقتهم بالحياة نفسها، لا بالأشياء فقط، ليكبروا وهم يملكون توازناً داخلياً يحفظهم من الإفراط والعوز، ويمضي معهم كرفيقٍ حكيم طوال العمر.
نجوى حيدر
اختصاصية بالعلاج الأُسري والعلاقات الزوجية .
برلين – ألمانيا
نجوى حيدر - اختصاصية العلاج الأسري و الزوجي