23/01/2026
في مطلع القرن العشرين، عاد طبيبٌ يدعى "ألكسندر فليمنج" من إجازته ليجد مختبره في حالة فوضى؛ لقد نسي تنظيف إحدى الأطباق المخبرية قبل رحيله، فنبت فوقها "عفنٌ" أخضر قبيح أفسد تجربته الأصلية.
في تلك اللحظة، كان بإمكان فليمنج أن يلقي بهذا الطبق في سلة المهملات وينتهي الأمر باعتباره (خطأً فادحاً) أو تجربة فاشلة. لكنه توقف.. أطال النظر في هذا "العفن"، واكتشف أنه قتل كل البكتيريا المحيطة به. تلك البذرة التي نبتت من "إهمال ونسيان" كانت هي (البنسلين)؛ الاختراع الذي أنقذ حياة أكثر من 200 مليون إنسان حتى يومنا هذا.
في حياتنا، نحن نشبه فليمنج كثيراً؛ نرتكب أخطاءً، نمر بتجارب "قبيحة" كالعفن، أو ننشر كلمات نراها بسيطة وعابرة، ثم نمضي وننساها.
السر الذي لا يدركه الكثيرون هو أن "السنن الربانية" في هذا الكون تعيد تدوير كل شيء بصدق. قد تحكي قصة (إخفاقك) في مشروع ما، فتشعر بالخجل وتتمنى لو حذفتها، لكن تلك التجربة هي "البنسلين" الذي سيشفي شاباً يائساً كان على وشك تكرار نفس الخطأ.
نحن نعيش في عصر "هوس النتائج الفورية"، لكن الحقيقة أن أعظم الآثار هي تلك التي نتركها خلفنا (دون قصد)؛ كلمة عابرة، موقفاً جبرت فيه خاطراً ومضيت، أو صدقاً سكبته في نصٍ لم يقرأه إلا عشرة أشخاص.
البذرة لا تحتاج لضوء الشهرة لكي تنمو، هي تحتاج فقط لتربة الصدق.
قد تكون "البذرة" التي ستغير وجه التاريخ مدفونة الآن في منشورٍ كتبته وأنت متعب، أو في نصيحة قدمتها وأنت تظن أنها ضاعت في الزحام.
المهمة: لا تتوقف عن النثر؛ فالعفن الذي تراه اليوم (فشلاً)، قد يراه غيرك (دواءً) غداً.
انثر بذور وعيك، تجاربك، وحتى انكساراتك.. ثم انسَها. اترك للزمن وللخالق مهمة الإنبات، فما خرج من القلب، استقر في جذور الوجود، والصدق لا يضيع في زحام الأرقام.
د. عبد الكريم بكار