12/01/2026
من مذكراتي في الخامسة والعشرين من العام خمسةٍ وعشرين.
حين ظهرت لي أول شيبة في رأسي
عرفت أنها لم تولد من السنين،
بل من الإصغاء الطويل.
من القصص التي سكنت رأسي،
ومن الدموع التي لم تكن لي وحدي.
قلبي مليء بالقصص، وعقلي يضج بالكثير من السيدات
اللاتي وجدن فيّ أذنًا صاغية وقلبًا مفتوحًا.
اليوم أكتب عن اللاجئات،
وأنا واحدة منهن.
أكتب عن الأمهات القلقات،
ربما بعدها أكتب عن الفتيات الخائفات، وعن الطفلات اللاتي يحلمن بالغد
أكتب عن شعورهن الصامت: الخوف، الحزن، والحنين. أكتب ما أستطيع مشاركته و أكتم ما تبقى ..
خلال العام الماضي قابلت عشرات الأمهات.
لا أكتب عن واحدة بعينها،بل أكتب عنهن جميعًا.
وجوهٌ مرهقة،وابتسامة خفيفة تكشف ما وراءها من تعب
مئات الألوان والأشكال،لكن قلوبهن واحدة: وجلة وعقولهن متقدة
يفكرن في الجوع، المرض،والمستقبل.
ينفضن عباءاتهن،ويخرجن إلى العالم،ثم يرجعن إلى أطفالهن برزقٍ يسير،وقلبٍ ممتلئٍ بالرضا
لكن الخوف يرافقهن حتى أنني أصبحت أراه كغراب أسود اتخذ عشه فوق رؤوسهن.
أرجع للمنزل وأسارع بمطالعة المرآة: هل ظهر الغراب على رأسي أنا أيضاً؟
كنت أشمّ رائحة جمر التفكير في رؤوسهن حين أُقالدهن -أحتضنهن- بالسلام في أول لقاء.
نساءٌ شجاعات
أكثرهن أصبحن الأبَ والأمّ معًا.
يستيقظن كل صباح سعيًا على أطفالهن مع شعورٍ داخلي بالذنب لأنهن لا يقدرن على توفير كل ما يحتاجه الصغار.
أذكر تلك السيدة التي قالت لي،وفي صوتها انكسار مرير:
«كنتُ ملكة».
قدمت لها منديلًا لتمسح دموعها، وأخبرتها أن الملكات في القصور كثيرات لكنها الآن ملكة محاربة...
هل كانت جملتي كافية لا أدري، لكنها ابتسمت.
قابلت العاملة بالمنازل ، ومن نسجت بيديها جَمَالًا لتبيعه، ومن وقفت صامدة أمام العالم لتؤمن حياة أطفالها.
كانت كل واحدة منهن تترك في قلبي نُقطة صغيرة و اليوم قلبي مليئ بشجاعتهن.
قالت لي إحداهنّ مرّة، وابتسامتها أوسع من تعبها:
«الرزق واسع ، لا تخيب امرأة تتوكّل وتسعى . أعود إلى البيت وعظامي تكاد تتفتت من الألم، لكن قلبي ممتلئ بالرضا والفخر بما أقدّم لصغاري .»
اذكر حديثها حين أمّل السعي و أبكي تأخر النتائج ..
قابلتُ من وقفت لتحمي نفسها وطفلتها، وكنت أرى في عينيها مزيجًا من اليقظة الدائمة والكرامة الصامتة.
أرتني ندبة على وجهها كانت تخبئها بخمارها، اليوم أدرك أنها ليست ندبة بل وسام شجاعة.
جمعتني الأيام بسيدة في عمرِ الزهور
تتعثرُ في الحروفِ كطفلٍ في السادسة.
تخونُها الكلماتُ حين تحاولُ قراءتها،فتمدُّ لها ابنتُها – ذاتُ الاثني عشرَ ربيعاً – يدَ النجاة.
رأيتُ الأمومةَ تنعكسُ
الصغيرةُ أصبحت هي "الملاك الحارس"
تُمسكُ القلمَ نيابةً عن يدِ أمّها المتعبة،وتفكُّ شفراتِ العالمِ لها..
حرفاً.. حرفاً.
طفلة تمنحُ أمّها "صوتاً"
يحفظن تاريخ الفقد جيدًا: اليوم، والساعة، واللحظة.
ولا يذكرن تاريخ ميلادهن.
صار الفقد كأنه ميلاد آخر،ميلاد لنسخة أشد صلابة
ومع ذلك يحملن الأمل الحذر في حقائبهن -المتواضعة -في شكل دعاء خفي، حلم صغير و ابتسامات مخفية.
كنت أحمل في قلبي قصصهن،
وأعيد تعريف كل واحدة منهن على أنها البطلة الفلانية،صانعة قرار في حياتها، والتي لم تفقد حضورها الداخلي
حتى حين حاول العالم انتزاعه منها.
أكتب عنهن لا لأُنقذهن،
بل لأشهد
لأقول إنني رأيت نساءً
سقطت عنهن البلاد،
ولم يسقطن .
✒️ : سيرين عبدالرحمن
#قصص
#فضفضة