24/10/2025
“لما الحلم يتكسّر… بس القلب يرفض ينهزم”
بريد هذا الأسبوع – الجمعة ٢٤ / ١٠ / ٢٠٢٥
“يا دكتور…
أنا بنت من أسوان… المدينة اللي فيها النيل أهدى من أي كلام، والناس فيها طيبين بطبعهم.
كنت في آخر سنة كلية تجارة لما اتقدّملي شاب من الأقصر، بيشتغل موظف استقبال في فندق بالغردقة. أول مرة شُفته كان راجع من شفت طويل، وعيونه باين فيها تعب الشغل، بس فيها رجولة واحترام.
اتفقنا نعمل الفرح بعد سنة. لكن بعد ٣ شهور، حصلت أزمة في الفندق وتم الاستغناء عن عدد كبير من العمال، وكان هو أولهم. حاول يدور على شغل جديد، وسافر واشتغل يومين هنا ويومين هناك، لكن الحظ كان مقفول.
الناس بدأت تهمس حواليا : “هو مش مستقر، خلي بالك وسيبك منه احسن”
بس قلبي كان شايف فيه طيبة نادرة… فقلت: “أنا هافضل جنبه.”
استنيته أربع سنين لحد ما قررنا نتجوّز بالإمكانيات اللي عندنا.
مفيش فستان، ولا كوشة، ولا حتى تصوير. فرح بسيط في بيت العيلة، لكن في وسط البساطة كان فيه حب كبير وحلم أكبر.
بدأنا حياتنا في شقة صغيرة في أسوان.
أنا كنت بدي دروس خصوصية في البيت، وهو اشتغل في كافيه على النيل. كنا بنضحك ونقول: هنحقق كل احلامنا واحنا لسه في البداية، وربنا كريم
لكن بعد كام شهر، الكافيه قفل، وايجار الشقة اتراكم علينا ، والمصاريف زادت، والضغوط دخلت بينا زي هواء سخن بيكتم النفس.
كل خناقة كانت بتاكل حتة من الحلم، لحد ما في ليلة ، ساب لي مفتاح الشقة على الترابيزة وقالي بهدوء موجع:
“مش عايز أكون سبب في تعستك وتعبك.”
ومشي.
وقتها كنت حامل في الشهر الخامس.
جبت بنتي “حور”… والي كانت شبهه جدًا.
كبرت وهي بتسألني كل شوية: “بابا فين؟”
وأنا أقولها بابتسامة فيها وجع : “بيشتغل بعيد يا حبيبتي.”
كنت بحاول أكون أم وأب في نفس الوقت، وعمري ما وقفت شغل ولا بكيت قدامها.
عدّى تلات سنين… وفي يوم الباب خبط .
فتحته… لقيته قدامي .
صوته هو هو، لكن ملامحه غيّرها الزمن:
“اشتغلت في فندق جديد يا ندى… وعايز أرجّع بيتي.”
ماعرفتش أرد. دموعي نزلت قبل كلمتي.
وحور جريت عليه وقالت: “بابا!”
رجعنا لبعض بفرحة مرتبكة… كأننا بنحاول نلصّق قلب اتكسر بإيدينا.
اتحسنت ظروفه شوية، وبدأ يشتغل مدير مطعم في الأقصر. كان بيسافر كتير، بس اللحظات اللي يرجع فيها كانت كفيلة تمسح التعب.
كنا حاسين إن ربنا عوّضنا بعد كل اللي مرّينا بيه.
لحد ما في ليلة ، رجع من الشغل عيونه كلها حزن بس مرضيش يحكي لي حاجة يومها
ولكن تاني يوم الصبح بدري، وهو بيجهّز نفسه للشغل، جالة تيلفون وبعدها قالي لي بصوت مكسور:
“استغنوا عني… والركود السياحي ضَرَب الفندق.”
ساعتها الدنيا سكتت. نفس الإحساس القديم رجع… نفس الوجع، نفس الخوف.
بس المرة دي مختلفة… أنا دلوقتي أم، وعندي يقين إن الرزق مش في وظيفة،
الرزق في نية صافية وسعي ما يوقفش ورب شايف ومش بينسى حد بس خايفة ان الي حصل من ٣ سنين يتكرر تاني وترجع تاني نفس المشاكل تايهة ومحتارة ومش عارفة اعمل أية واتعامل ازاي ”
الرد والتعليق
قصتك يا ندى مش مجرد أزمة مع شغل أو ظرف اقتصادي…
هي حكاية جيل كامل بيحارب كل يوم علشان يعيش بكرامة، وبيتعلم إن “الرجوع بعد الانكسار” مش ضعف… ده بطولة.
أكتر حاجة مؤثرة في رسالتك إن الحب ما وقعش، رغم كل اللي اتكسر حواليكم.
وده بيأكد قاعدة من أهم قواعد علم النفس الموازي:
“العلاقة اللي اتبنت على الوعي، تقدر تقوم حتى لو وقعت. أما اللي اتبنت على التعلق، بتنهار أول ما تهتز الأرض.”
اللي حصل بينكم هو “تدوير كوني” واختبار للطاقة، مش عقاب.
كل مرة تفقدوا فيها الأمان المادي، بيتفتح باب جديد للأمان الداخلي…
إنك تتعلمي تتوكلي على الله مش من باب الخوف، لكن من باب اليقين الواعي بالله .
جوزك مش عاطل… هو مقاتل في معركة ضد الظروف.
وإنتِي مش بس متحملة… إنتِ زي عمود نور واقف في وش العتمة.
💬 رسالة خاصة إلى الزوج
لو بتقرأ الكلام ده… خُدها مني بصراحة راقية:
الرجولة مش في إنك تشيل كل الحمل لوحدك،
ولا في إنك تختفي لما تقع.
الرجولة الحقيقية إنك تفضل واقف… حتى لو وقعت،
بس ما تسيبش اللي بتحبها تواجه الحياة لوحدها.
ساعات الراجل يفتكر إنه لما يختفي “بيحميها من وجعه”،
لكن الحقيقة إنه بيكسِرها غصب عنه.
المرأة مش محتاجة بطل ما بيقعش…
هي محتاجة راجل يقع ويقوم، بس يِكمّل معاها.
وجودك مش مرتبط بالفلوس…
وجودك هو أمانها النفسي، هو الكلمة اللي تهديها،
هو إنك تفضل في الصورة حتى لو الدنيا ضباب.
الرزق بيتأخر ويرجع، الشغل بيتبدّل
لكن القلب لما يتكسر… صعب يرجع زي الاول
وافتكر دايمًا:
الست تقدر تشيل التعب، بس ما تقدرش تشيل الغياب.
وحضنك في عز الفقر… أغلى من أي فلوس .
التحليل النفسي الموازي
1. دورة الخوف والرجوع
الجسد بيتذكر… كل مرة يخسر فيها مصدر أمان، بيشتغل “نظام الطوارئ” في المخ. علشان كده، أول خبر سيئ يخليه يرجع لنفس إحساس أول خسارة، كأنها بتحصل من جديد.
العلاج؟ تدريب المخ على “عدم التعميم”… إن الخسارة دي مش نهاية، دي تجربة جديدة بظروف مختلفة.
2. الوعي المالي والوعي العاطفي
أغلب البيوت بتنهار مش من الفقر… من سوء إدارة الفقر.
لما نربط الحب بالفلوس، أول ما الرزق يضيق، المشاعر بتضيق كمان.
المطلوب هنا فصل “قيمتنا” عن “دخلنا”.
3. الأنوثة وقت الأزمات
كتير من الستات لما يشيلوا المسئولية بيتحولوا لرجال من جوه ودة هيبقي غلط في أوقات زي دي لانه هيكون اكثر حساسية واقل رد فعل منك ممكن يسيب جواه اثر لا يمحي وعلشان كدة عايز اقولك ان الاتزان الحقيقي إنك تفضلي قوية من غير ما تفقدي أنوثتك، حازمة بس حنونة، عاقلة بس مش متحجرة.
4. الوعي الجديد
بالنسبة للزوج : الرجولة مش إنك متغلطش… الرجولة إنك ترجع وتواجه وتصلّح.
وبالنسبة للزوجة : زوجك رجع. وده في حد ذاته بداية جديدة محتاجة تقدير مش مقارنة بالماضي.
⸻
الحل العملي – خريطة استعادة التوازن (٣٠ يومًا)
🟢 الأسبوع الأول: تهدئة العاصفة
• كل يوم قبل النوم، اكتبي ٣ مشاعر حسّيتيها النهارده من غير حكم. بس اكتبي.
• اعملي “طقس أمان” يومي: ضمّي بنتك، خدي نفس عميق، ورددي في سرك: “أنا في أمان دلوقتي.”
🟢 الأسبوع الثاني: لغة جديدة بينكم
• خصّصي مع زوجك نص ساعة كل يوم تتكلموا فيها من غير هجوم أو شكوى.
اسأليه: “تحب أساعدك إزاي المرة دي؟” بدل “هتعمل إيه بكره؟”
• اكتبي له ورقة صغيرة كل أسبوع فيها ٣ حاجات بتقدّريها فيه، حتى لو بسيطة.
🟢 الأسبوع الثالث: خطة واقعية
• اكتبي معاه ميزانية ٩٠ يوم بالأولويات (سكن – أكل – دواء).
• لو تقدر تشتغلي جزئيًا (أونلاين أو دروس)، خدي الخطوة، بس من غير استنزاف.
• اتفّقوا على “مشروع مشترك صغير” – حتى فكرة بسيطة (وجبات جاهزة – بيع منتجات محلية – كورسات تدريبية).
🟢 الأسبوع الرابع: ترميم الطاقة
• خصّصي ٢٠ دقيقة يوميًا تمشية على النيل أو تأمل بسيط مع صوت الميّه.
• ردّدي نية كل صباح:
“أنا أزرع اليوم طاقة رزق وبركة، وأستقبل الخير بامتنان.”
• شغّلي قرآن أو موسيقى هادئة وقت الطبخ أو المذاكرة، لأن تردّد الصوت بيعيد اتزان الطاقة في البيت.
⸻
الخاتمة
يا ندى…
الحياة مش دايمًا بتدينا اللي بنطلبه،
لكن دايمًا بتدينا اللي “يفوقنا”.
مرّتين خسرتوا الشغل، لكن ولا مرة خسرتوا بعض.
وده لوحده كفاية تعرفي إن ربنا كاتبلكم بداية، مش نهاية.
البيوت مش بتتقاس بالأساس ولا بالفلوس الي فيها ،
بتتقاس بعدد المرات اللي “وقعنا فيها وقمنا سوا”.
وإنتِ قومتي… ولسه هتكمّلي.
ما تخافيش من الموج،
لأن اللي اتعلّم يعوم مرة… مش هيغرق تاني أبدًا.
⸻
رسالة هامة
دي كانت رسالتنا من “بريد الجمعة”.
مش مجرد قصة… لكنها مراية بتورينا فين بنقع، وإزاي ممكن نوقف من جديد.
لو عندك قصة أو وجع أو سؤال نفسي وعايز تسمع إجابة عليه من القلب والعقل سوا،
اكتب/ي ليا في رسائل الصفحة، واحكي تفاصيل القصة.
واوعدك اني هقراء كلمة كلمة بحب، وارد عليها في بريد الجمعة الجاي.
ولو حسّيت إن السلسلة دي تستحق تكمل،
اكتب في التعليقات كلمة (استمر)،
علشان نكمّل كل جمعة برسالة جديدة… وباب نور جديد. 🌿
✍️ د. وليد صلاح الدين – علم النفس الموازي
“كل ألم… وراه باب نور.” 🌤️
#الأنوثة #الرجولة