26/01/2026
مهما كان عمرك الآن، فالعمر في علم النفس ليس معيارًا حاسمًا للنضج أو التغيير. كثير من الأفراد يتقدمون في السن وهم ما زالوا يعيشون بأنماط نفسية تشكّلت في مراحل مبكرة من حياتهم، ويكررون نفس الاختيارات دون وعي بمصادرها. لذلك، لا يُقاس النضج بعدد السنوات، بل بمدى تطوّر الوعي الداخلي.
الوعي النفسي هو اللحظة الفارقة في حياة الإنسان؛ لأنه يمثّل القدرة على ملاحظة الذات من الداخل، وفهم الدوافع العميقة التي تحرّك السلوك والاختيارات. عندما يصبح الفرد واعيًا، يبدأ بالتمييز بين ما يريده فعلًا وما اختاره سابقًا بدافع الخوف، أو التعلّق، أو الحاجة غير المشبعة.
امتلاك الوعي يفتح المجال لما يُعرف نفسيًا بإعادة بناء الذات. في هذه المرحلة، يعيد الفرد تعريف نفسه: من يكون خارج الأدوار المفروضة عليه، وخارج التوقعات الاجتماعية أو العائلية. تتشكّل الهوية هنا على أساس القيم والحدود والاحتياجات الحقيقية، لا على أساس النجاة أو التكيّف القسري.
أما اختيار “مع من تكون”، فهو يرتبط بأنماط التعلّق النفسية. الوعي يسمح للفرد بالخروج من علاقات قائمة على التعويض أو التعلّق غير الآمن، والتوجّه نحو علاقات أكثر اتزانًا، تقوم على الشراكة والاختيار الحر لا على الفراغ العاطفي أو الخوف من الوحدة.
و“أين تكون” لا تعني المكان الجغرافي فقط، بل البيئة النفسية والاجتماعية التي يعيش فيها الفرد. الوعي يدفع الإنسان لاختيار البيئات التي تدعمه نفسيًا، وتحترم حدوده، وتسمح له بالنمو، بدل البقاء في أماكن تعيد إنتاج الألم أو تستنزف طاقته النفسية.