27/02/2015
خواطر أسنانجية من وحي الحياة الإكلينيكية
الأسنانوفوبيا
كثير منا يعاني من رهاب شديد من أطباء الأسنان و عيادات الأسنان و علاجات الأسنان بشكل عام .. و لعلنا تطرقنا في مقالات سابقة لأسباب هذا الخوف و الذي ينتج معظمه من تجارب سابقة مؤلمة في مرحلة الطفولة أو في أي مرحلة سنية أثناء جلسة العلاج الأولى في حياة أي منا .. و كما يقولون دائما أن الإنطباع الأول يدوم .. ففي حالتنا جلسة العلاج الأولى و ما يحدث فيها و الإنطباع المكتسب .. يدوم .
و إليكم هذه الواقعة الظريفة ..
إستقبلت في العيادة سيدة وقورة جاءت للعيادة بناءا على توصية من إبنتها – نهى – التي كانت إحدى مرضاي .. كانت الأم تشتكي من آلام مصاحبة لشرب الماء البارد و تناول الحلويات , و كانت نهى في صحبتها , و بعد التعارف و سماع المشكلة شفهيا و نحن جلوس حول المكتب , إصطحبتها لكرسي الكشف , و بالفحص الإكلينيكي و جدت تسوسا في أحد الضروس مما يستدعي علاجه بالحشو , و بمجرد أن بدأت في التجهيز .. حتى بدأت في الإرتجاف , و ترديد الآيات القرآنية . .. فمازحتها لتلطيف الجو و الحد من حالة التوتر : " هوة حضرتك بتحسبني علية من أولها ؟ "
إبتسمت مضطرة و في عينيها فزع شديد , ثم أغمضت عينيها و استمرت في القراءة , أكملت الإستعداد لجلسة العلاج و التفت اليها مبتسما " إفتحي بؤك بالراحة و ماتقلقيش من أي حاجة .. أنا مش هاعمل حاجة تإلمك .. و لو حاجة وجعتك إرفعي إيدك بالراحة و أنا هاوقف الشغل "
فتحت فمها و عندما إقتربت منها لإدخال "السرنجة" و إعطاء المخدر سارعت بالإغلاق .. حدث ذلك مرتين ..
حاولت تهدءتها مرة أخرى فأجابت " معلهش يا دكتور .. سامحني .. أنا مرعوبة أوي "
فأجبتها " أنا عارف و الله و مقدر .. بس إنتي إهدي شوية و كل حاجة هاتبقى تمام "
ردت " حاضر إنشاء الله .... يا نهى " نادت إبنتها التي كانت جالسة بالقرب من المكتب " تعالي أوقفي جنبي و إمسكي إيدي " و بالفعل قامت نهى و فعلت ما طلبته والدتها .. فتحت فمها .. و ما لبثت أن أحقنها .. حتى رفعت يدها إشارة للتوقف كما طلبت منها ..
أخرجت السرنجة من فمها .. فقالت " لا مؤاخذة يا دكتور " ثم وجهت كلامها إلى إبنتها " نهى .. إقري علية يا نهى "
هذا الموقف نتعرض له كثيرا في العيادات , و لذلك دائما ما أقول أن طبيب الأسنان يتوقف جزء كبير من نجاحه على قدرته على التعامل النفسي مع المريض ,خاصة و أن عمله يقتضي عمل جراحات للمريض تحت بصره و وعيه و إحساسه بالضغط و الحركة و رؤية الدماء , و هي أمور قد لا يرغبها و لا يحبها الكثيرون .
و إليكم بعض النصائح التي يمكن أن تخفف من وطأة الزيارة الأولى و التي تحدد من وجهة نظري الطريقة التي سيتعامل بها المريض مع آلام الأسنان و طبيب السنان في المستقبل .
أولا : عدم إصطحاب شخصيات سلبية و يفضل إذا رغبت ان تصطحب معك أحد ما , أن يكون صديقك أو صديقتك أو أيا من اقربائك الذين سبقوا و تعالجوا مع الطبيب نفسه و عرفته من خلالهم , أو مع من لديهم تجربة حسنة مع أطباء الأسنان , و على ذكر ذلك , كنت أعالج أحدى المريضات و جلس على المكتب أمامي زوجها , و عندما بدأت في إعطاء إبرة البنج , و إذا بي أسمع صوتا " أي أي أي " توقفت .. نظرت إليها , لم يكن باد عليها الألم , بدأت مرة أخرى " أح أح أح " و إذا بالصوت يصدر عن زوجها و هو جالس في مكانه .. فضحكت و قلت " هوة أنا بأديها البنج و حضرتك اللي بتتألم ؟ !!" و بالطبع .. المريض في هذه الحالة لا يرى شيئا فإذا كان المرافق سيقوم بإصدار هذه الأصوات , فبطبيعة الحال سيتوتر المريض .
و نموذج آخر من المرافقين يذكرني بمشهد علاء ولي الدين – رحمة الله عليه – في فيلم عبود على الحدود عندما أراد أن ينفرد بفتاة روسية فإذا بشخص يقف بجانبه من أجل الترجمة و لا يضايق الطبيب إلا أن يحس أن هناك من يقف على رأسه و هو يعمل , و يزيد الطين بلة إبداء التعليقات من نوعية " أببييييه ... أو .. أوفففف ... أو .. لا لا لا ... يا حفيظ " كل هذه التعليقات إلى جانب الأسئلة :
" هوة حضرتك بتعمل الحركة دي ليه ؟ أو الدم دة كتير أوي .. هايوقف دة يا دكتور ؟ أو يا دكتور .. إنت صغرت الضرس أوي ؟ .. هذه النماذج أرجوكم و أتوسل إليكم , و على رأي القول الدارج في مصر " أبوس صباع رجلكم الصغير " لا تصطحبوها معكم إلى العيادة .. فهي ستوتركم و ستوتر الطبيب .
ثانيا: لا تنتظروا الألم ليحرككم للذهاب إلى العيادة , فكلما زاد الألم كلما زاد الإعتقاد بأن المشكلة عويصة و تحتاج إلى علاج معقد , و هو إحساس صائب , و لذلك لا تدع هذا الإحساس يتملك منك , حافظ على الكشف الدوري لإكتشاف أي مشكلة في مراحلها الأولى حتى تكون خطوات العلاج بسيطة .
ثالثا : لا تسعى لتوتير نفسك بعمل حركات تشد من أعصابك .. مثل إغلاق العين بشدة , و شد عضلات الوجه و كأنك تتوقع صاعقة ستحل عليك , هذا الوضع إلى جانب أنه يزيد توترك فإنه لا يساعد الطبيب على معرفة حقيقة التشخيص أو أسلوب العلاج , فعند الفحص أو العلاج ينظر الطبيب دائما إلى وجهك لمراقبة عضلات الوجه المسؤولة عن التعبير , و يستشف منها وجود ألم أو لا فإذا " لخبطت وشك " أكيد القراءة ستكون خاطئة .
رابعا : خذ معك أي وسيلة إلهاء أو تسلية مثل آي باد أو إم بي فور أو آي فون لسماع الموسيقى أو القرآن أو أي شيء يساعدك على تخفيف التوتر , أو أطلب من الممرضة أن تأتي لك بامحطة التي تحب أو ترغب في مشاهدتها أثناء العلاج , سيصرف هذا الأمر بالك غن التركيز فيما يحدث أثناء الجلسة " بس بلاش أفلام الرعب و موسيقى الهارد ميتال و ماتشات الكورة و المصارعة " فنحن نرغب فيك هادئا و سلسا لا عصبيا و شرسا .
خامسا : حاول دائما أن تذهب إلى طبيب مجرب من أحد أصدقائك أو أقربائك و محاولة الذهاب معه في أول زيارة للتخفيف من حدة توتر الزيارة الأولى .. و تجنب أن تكون هذه الزيارة بعد ليلة مجهدة أو بعد مجهود عضلي أو ذهني شديد و ذلك لإستيعاب خطط العلاج المقترحة و مناقشتها و إختيار المناسب منها إلى جانب التقليل من التوتر أيضا .
فإن كانت تلك النصائح للمريض , فأحب أن أشير أيضا إلى دور الطبيب في تخفيف العبء النفسي عن المريض و ذلك من خلال :
1) تخيل أن يدخل المريض إلى العيادة , و هو متألم أو منزعج أو لأول مرة عند طبيب أسنان , فيجد حوائط متربة أو مشققة أو يظهر فيها أثار الماء نتيجة تسربه من مواسير الصرف الصحي , و في ركن ما , مكتب خشبي يجلس عليه شاب رث الثياب ، أو فتاة غير واضحة المعالم , مبالغة في السفور أو متخفية عن العيون , لا تميز ملامح وجهها من طبقات المكياج أو من النقاب , و كراس قديمة , لعب فيها الزمن "البخت " تخرج أحشاءها من خلال شقوق مختلفة الأحجام و الأشكال , و كأنها من مخلفات الحرب العالمية الأولى , و جهاز تلفاز من العصر الطباشيري مظبوط على محطة خاصة بأفلام الرعب , يتحدث المريض متسائلا عن الطبيب وقيمة الكشف , فتأتيه إجابات مقتضبة و بأسلوب لا يمت إلى الذوق بصلة , و يجلس بعد دفع الكشف في إنتظار تشريف سيادتكم المتأخر أساسا عن موعد العيادة المعلن , ثم ينتظر حتى تنتهي من شرب كوب الشاي أو القهوة بعد الحضور , تمهيدا للبدء في العمل ... و بعد كل الذي سبق , ما هو الإنطباع المتكون لدى هذا المريض ؟ و كم تعتقد سيبزل من جهد أو سيتحمل من آلام لعدم تكرار هذا السيناريو ؟ إن تجهيز العيادة بشكل مريح للأعصاب داخليا و خارجيا , بمعنى غرفة إستقبال مريحة , ذات ديكورات متناسقة , سكرتارية حسنة المظهر و مهندمة و تتحلى بالكياسة و اللباقة و سعة الصدر , موسيقى هادئة بصوت منخفض تسمع الروح قبل الأذن , رائحة زكية تعبق المكان , إبتسامة عامة و كأنها طابع مميز لكل العاملين في العيادة , إعطاء كل مريض وقتا كافيا للكشف و الشرح و العلاج , إلى جانب الإلتزام التام بالمواعيد , على الأقل الحضور الإنصراف – حيث أن ما بينهما ليس بيد الطبيب بل على حسب الحالات المعالجة – كل تلك الأمور تؤدي إلى وصول المريض للطبيب و هو في حالة نفسية تؤهله لتقبل ما يقال له , و تفتح شهيته لمتابعة العلاج .
2) محاولة التكيف مع أنماط المرضى المختلفة و إختلاف الثقافات , و عدم إظهار الملل أو التأفف من المناقشة و الشرح " أي نعم الواحد ساعات بيكون عايز يشد في شعره بس معلهش ... أعصر على نفسك لمونة – زي ما عصرتها قبل كدة على فاشوش – على الأقل المرة دي إنت بتعصرها علشان أكل عيشك , و استنى العيان لما يطلع , و بعد كدة شد في شعرك زي مانت عايز .
3) يفضل الإعتذار للمريض في حالة وجود ظرف طاريء قبل تواجده في العيادة , و بوقت كاف إذا أمكن حتى يعيد جدولة مواعيده ما استطاع , و كذلك و نظرا لما تتميز به مهنة طبيب الأسنان من نسبة عالية من الحرفية و اللمسات الفنية , يفضل عدم إنهاء العلاجات التي تختص بالتجميل و الطبيب في مزاج عكر أو غير صاف الذهن أو متوتر .. فربما ينعكس ذلك سلبا على نتائج العمل .. في هذه الحالة يفضل تأجيل العلاج لوقت آخر .
4) إذا كان الله أقرب الى الإنسان من حبل الوريد , فأعتقد أن طبيب الأسنان يعتبر من المهنيين التي تحكم مهنته بالاقتراب من مريضه الى درجة تقترب من الالتصاق , و تبادل الروائح في هذه الوضعية وارد و بشدة , و بما اننا هنا بصدد الحديث عن الطبيب – و لا دخل لنا هنا بالمريض حتى لو كان قادما بعد تعرضه للقذف في بالوعة مباشرة – المهم هنا ان لا يشم هذا المريض رائحة نفاذة أو مستفذة أو كريهة من الطبيب , فالنظافة الشخصية من أهم النقاط التي يجب على الطبيب أن يحرص عليها و و كذلك عليه ألا يبالغ بالتعطر , فبرغم أن رائحة العطور من الأشياء المحمودة , إلا أن إختلاف الأذواق و إمكانية وجود حساسية تجاه نوع معين من الروائح , يجعل من الواجب أخذ الحيطة و الابتعاد عن الروائح الثقيلة و النفاذة أثناء فترة العيادة .. كذلك مراعاة رائحة الفم الناتجة عن القهوة و السجائر .. حيث من الممكن أن تكون هذه الأمور من المنفرات للمريض.
5) يقول المثل المصري " باب النجار مخلع " – بكسر الميم و نصب الخاء و تشديد اللام – و على الطبيب قدر الامكان – و زيادة حبتين عن الامكان – أن يحافظ على نظافة و شكل أسنانه و إبتسامته , فلا تتوقع أن يصدقك المريض أو يقتنع بما تتغنى به من مناقب و مميزات علاجات الأسنان المختلفة , و مضار الإهمال و عدم العناية و هو يرى أمامه أسنانا سوداء أو تركيبات متهالكة أو لثة ملتهبة ..
6) أخيرا ... أن يضع كل طبيب أسنان – شأنه شأن أي ممتهن لمهنة أخرى – في إعتباره أنه يحمل في عنقه أمانة سمعة هذه المهنة , و أنه يجب أن يتعامل مع المرضى من منطلق أنها من المهن الإنسانية أولا قبل أن تكون من المهن التجارية .
و ختاما .. أرجو أن تأخذوا هذه التوصيات على محمل الجد و أن تحاولوا أن تطبقوها , و أعتقد أن النتائج ستكون إيجابية للطرفين , الطبيب و المراجع .