06/12/2025
الذاكرة مؤلمة… أعرف.
لكن المفارقة اللئيمة أن “النسيان” لا يعتبر دائمًا نجاة… أحيانًا هو هزيمةٌ باردة تُقدَّم لنا على شكل راحة.
الذاكرة لا تعمل كأرشيف محترم يضع الملفات حسب التاريخ.
هي غرفةٌ تُضاء فجأة، فتظهر الأشياء كما هي: بلا تزيين ولا رحمة.
تفتح درجًا في قلبك فتخرج صورة… تبتسم…
ثم تكتشف أن الابتسامة كانت مجرد “إعلان” قبل الألم الحقيقي.
لأن الذكرى لا تأتي وحدها؛ تأتي ومعها جسدك أيضًا:
قبضة في الحلق، ثقل في الصدر، ورجفة خفيفة كأن روحك تستعد لخبرٍ سيّئ … مع أنك لم تتلقَّ خبرًا أصلًا.
والذكريات مثل مدفأة قديمة: تُدفئك، نعم… لكنها لا تعمل مجانًا.
تحتاج أن تحرق شيئًا كل مرة:
جزءًا من صبرك، طبقةً من جلد قلبك، أو وهمًا جميلًا كنت تتكئ عليه لتكمل يومك بأقل قدرٍ من الحقيقة.
لماذا يحدث هذا؟
لأن الذاكرة غير محايدة.
هي تحفظ ما له شحنة عالية: حبّ، خوف، صدمة، فقد.
الشيء الذي هزّك… يبقى.
خصوصًا إن كان فيه فقدٌ بلا إغلاق، أو ظلمٌ بلا معنى، أو حزنٌ بلا وداع.
المشهد لا يموت… يغيّر طريقته في الظهور فقط.
ومع ذلك… لا تعتبر النسيان حلًا أخلاقيًا دائمًا.
{وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا}
ليس لأن آدم كان شريرًا .. بل لأن الإنسان حين ينسى العهد، يذوب “العزم” قليلًا ..كأنه شمعة في تيار هواء.
النسيان هنا هو رخاوة في اليد التي تمسك المعنى.
وهناك نوعٌ آخر أخطر: نسيانٌ يتظاهر بالبراءة بينما هو تركٌ متعمد، إهمالٌ طويل حتى تتصلّب الروح وتستريح من وخز النفس.
ولهذا قال تعالى:
{وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً… وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ}
نسيانٌ ينتهي بقلبٍ قاسٍ… وهذا غريب:
كأن القلب حين ينسى ما ذُكِّر به، يتوقف عن الألم… لكنه لا يصبح “سليمًا”، يصبح “صلبًا”.
والقلب الصلب لا ينزف… لكنه أيضًا لا يشعر.
المفارقة القاتلة:
الذاكرة تُوجعك ولكنها تُبقيك إنسانًا.
أما النسيان المذموم فيُريحك ولكنه يُبعدك عن الإنسان الذي كان يجب أن تكونه.
نحن لا نُذمّ لأننا نتألم حين نتذكر.
نُذمّ حين نستخدم النسيان كحيلة:
ننسى العهد كي ننام،
وننسى الحق كي لا نخجل،
وننسى التذكير كي لا نُطالب بشيء.
فالذاكرة لا تعتبر رفاهية…
هي الحارس الأخير للمعنى في داخلك.
تلسعك… نعم.
لكنها تقول لك: “ما زلت حيًّا… وما زال فيك شيء يستحق أن يُصان”
الخلاصة؟
لا تطلب قلبًا لا يتذكر .. ذاك ليس قلبًا .. ذلك حجرٌ مهذّب.
اطلب فقط أن تتذكر…
وألا تسمح للذاكرة أن تحوّلك إلى شيءٍ قاسٍ يكمل الحياة بلا عزم … وبلا معنى.