25/01/2026
من القصص الخالدة …
"وصل أخيرًا… لكنه غادر خالدًا في الذاكرة"
في أولمبياد طوكيو عام 1964، وبين عمالقة الجري العالمي، ظهر عدّاء نحيل من دولة فقيرة تُدعى آنذاك سيلان (سريلانكا حاليًا). اسمه راناتونغا كاروناناندا، وعلى صدره رقم بسيط سيصير أسطورة: 67.
شارك في سباق 10,000 متر، سباق قاسٍ من 25 لفة حول المضمار. ومنذ اللفات الأولى، بدا واضحًا أن كاروناناندا لا يستطيع مجاراة السرعة الجنونية للمرشحين للفوز. كان يُكافح، يتنفس بصعوبة، بينما يبتعد عنه الآخرون لفة بعد أخرى… حتى صار متأخرًا أربع دورات كاملة عن المتصدرين.
ثم حدث المشهد الذي لم يتوقعه أحد.
عبر خط النهاية الفائز بالذهبية، الأمريكي بيلي ميلز، وتبعه بقية العدّائين. انتهى السباق رسميًا. بدأ الجمهور في مغادرة المدرجات، وبدأت السخرية من بعض الحاضرين:
لماذا لا يتوقف؟ ما الذي يفعله بعد؟
لكن كاروناناندا لم يتوقف.
كان وحيدًا تمامًا على المضمار. خطواته ثقيلة، جسده منهك، لكن عينيه كانتا معلقتين بخط النهاية. شيئًا فشيئًا، خفتت الضحكات، وحلّ صمت غريب في الملعب الوطني… صمت راقب رجلًا يرفض الاستسلام.
ثم انكـسر الصمت.
تصفيق خجول، تحول إلى هتاف، ثم إلى وقوف احترام من نحو 70 ألف متفرج. المدرجات التي كادت تفرغ، امتلأت من جديد بالتصفيق والتشجيع. لم يكن أحد يشجعه ليفوز، بل ليُكمِل… فقط ليُكمِل.
لفة بعد لفة، أنهى كاروناناندا السباق كاملًا دون أن يتوقف خطوة واحدة.
وعندما سُئل لاحقًا عن سبب إصراره، لم يتحدث عن مجد أو بطولة، بل قال كلمات بسيطة، لكنها اخترقت القلوب:
لدي ابنة صغيرة، وأريد أن أخبرها يومًا ما أن أباها شارك في الأولمبياد… وأنهى سباقه.
وأكد أن بلاده ضحّت كثيرًا اقتصاديًا لتُرسله إلى طوكيو، ولم يكن من الكرامة أن يرد هذا العطاء بالانسحاب.
في اليابان، لم يُنسَ هذا المشهد أبدًا. بل لُقّب كاروناناندا بـ
“الخاسر الأكثر روحًا”
وأصبح يُعرف باسم “صاحب الزي رقم 67”.
قصته دخلت المناهج الدراسية اليابانية، لا لتعليم الرياضة، بل لتعليم الأطفال معنى الكرامة، والإصرار، واحترام الذات. وحتى اليوم، تُستحضر حكايته كأحد أعظم الدروس الأخلاقية في تاريخ الألعاب الأولمبية.
لأن كاروناناندا لم يفز بميدالية…
لكنه فاز بشيءٍ أثمن:
احترام العالم، وخلود القصة، وانتصار الإنسان على اليأس.
#منقول