18/03/2021
زهرة الحياة الدنيا
رآها عند بائع الزهور , زهرةً ورديَّة اللون جميلةً جذَّابةً خُلِقت لتُعشق. قطرات الندى تتلألأ على وريقات تاجها الناعمة , والحياة تدبُّ في لونها الوردي دبَّاً. لقد لفتت نظره دون غيرها من أزهار المحل. فشمَّها فأعجبته أكثر وعشقها أكثر , فاشتراها وحملها إلى زوجته في البيت. ولمَّا دخل البيت أعطاها زوجته ففرحت بها ووضعتها في زُهريةٍ زجاجيَّةٍ مَلأت نصفها بالماء العذب ، ثم وضعتها على الطاولة قرب النافذة الشرقيَّة في الصالة. سرى عشقها في المكان و فاح عبيرها في جنبات الصالة، فنظروا إليها وتعانقت أبصارهم في حبّها وتشابكت أصابعهم في عشقها, ثم إلتفتت إليه زوجته و قالت له
- إنها لجميلةٌ جداً , أشكرك يا حبيبي.
وجلسوا يومهم كُلَّه كلَّما مرَّ أحدهم من قرب النافذة نظر إلى الزهرة و ابتسم , وعندما جلسوا قرب الطاولة تكلَّموا مع بعضهم وعينهم على الزهرة. وقبل النوم زاد الزوج كميَّة الماء في الزهرية قليلاً ليحافظ على الزهرة.
وفي صباح اليوم التالي شربوا قهوة الصباح على الطاولة التي عليها الزهرة تغازلها أشعة الشمس فتزداد جمالاً ولنفوسهم فتنةً.
التقطت زوجنه صورة للزهرة مع فنجان القهوة ونشرت الصورة على وسائل التواصل وأردفتها بكلماتٍ رقيقةٍ عن جمال اليوم الذي يبدأ بزهرةٍ وقهوةٍ. وتفاعل الناس مع جمال الصورة و نافسوا أشعة الشمس في مغازلة الزهرة.
وفي اليوم الذي تلا ذلك اليوم الجميل نسي الجميع أمر الزهرة ، التي كمد لونها وسرى الذبول في وريقاتها الآخذةِ بالتجعُّد , و بدأت الزهرة تنحني لمصيرها المحتوم. وفي آخر الأسبوع عندما جاءت الخادمة رمت الزهرة في القمامة و غسلت الزهرية وأرجعتها مكانها على الرف بانتظار مجيء زهرةٍ أخرى.
انتهت القصة...
حياة الزهور قصيرةٌ , بل وقصيرةٌ جداً جداً. ولا تقل لي لأنها مقطوفة , فالزهر يموت حتى على أمِّه. والناس زهورٌ على أمِّهم الدنيا , يُولدون ويكبرون و يَجملُ شكلهم ثم يذبلون ويموتون ويسقطون عن أمِّهم إلى قبورهم و تلد الدنيا غيرهم , فيسكن الزهر الجديد زهريَّاتهم ويعمرون بيوتهم و مُدنَهم.
***
مهما طال العمر فهو قصير ولن يعدو عمر الواحد منَّا بالنسبة لعمر الدنيا , عُمرَ زهرة لعمرِ أمِّها الشجرة. و لكن و لله الحمد ، فقد مَّيزنا الله عن الأزهار وعن سائر خلقه بالأثر , الذي نتركه خلفنا , وسنترك أثراً لا محالة خلفنا , إن كان خيراً فخير وإن كان شرَّاً فشرّ. و تذكَّر أنَّ عدم ترك أثرٍ في الخير هو تكثيٌر للشرِّ على الخير. و تذكَّر أيضاً أنَّ الأعمار لا تُقاس بالسنين والأيَّام ولكن تقاس بالأعمال.
مرةً قال لي أحد الشبَّان في معرض حديثٍ بيننا , قال ...
- لقد ضاع شبابنا على ورق اللعب.
فقلت له...
- يارجل , لا تبالغ.
فقال...
- والله ما أبالغ , فلمدَّة سنواتٍ طويلةٍ كنت أرجع من وظيفتي قُبيل العصر فما أتمُّ في بيتي ساعةً مع أهلي حتَّى يبدأ هاتفي يرنُّ. إنَّهم أصحابي وقد سبقوني إلى المقهى. فألحق بهم ونلعب الورق الساعاتِ الطِوال. بعضنا يلعب والآخر يشاهد , ثمَّ نبدِّل بيننا , وتعلوا أصواتنا وتنشب الخلافات ثمَّ تهدأ لتثور بعد ساعةٍ مرةً أخرى والوقت يَمُرّ , ولا نذهب إلى بيوتنا إلَّا آخر الليل لننام سويعات قبل موعد الوظيفة.
ومن غير أن يخبرني عَلمت أنه لابدَّ وسيكمل ما ينقصه من ساعات النوم في الوظيفة.
كان يقصُّ قصته على مسامعي بأسى الإنسان المستسلم , الذي لا يملك التغيير , كمدخــنٍ ينفث سموم سيجارته في الهواء ويقول لك , والله ستقتلنا هذه السيجارة. يعلم البلاء ولا يملك إلا الوقوع فيه.
***
وعلى الرغم من أنني أعشق الإيجابية وأعتنقها مذهباً , وبما أنَّ الكلام بيننا وليس أمام الأغراب , فأقول لكم إنَّ صاحبنا لاعب الورق هذا , ليس ومع الأسف حالةً نادرةً بين الشباب , بل مِثله الكثير والكثير. تضيع أعمارهم , ولا أقول أوقاتهم بل أعمارهم , نعم تضيع في المقاهي و أمام الشاشات و في لعب الألعاب الإلكترونية بل و حتَّى مشاهدة من يلعبها , وفي التسكُّع في الشوارع والأسواق على غير هدى. ولو قلت لأحدهم لماذا هذا التسكُّع في الشوراع , لقال لك نضيِّع الوقت. وكأن المشكلة فقط فيما يفعل . فهو يبرر التسكُّع ببلوى أكبر وهي إضاعة الوقت. وهو يعني ذلك , فهو يريد لهذا الوقت أن يمرَّ بسرعة. وسبحان الله لا يُقدِّر قيمة الوقت إلا المشغول. ولإننا إيجابيون فنقول , و لله الحمد هناك من الشباب من يحترق إحتراقاً لينظِّم وقته و يمُدَّ في أجل يومه علَّه ينجز ما عليه حتَّى يقترب خطوةً أخرى إلى ما يصبو إليه من أهداف.
نعم ...عندما يضيع الهدف وتُفقَد الرغبة بالإنجاز لن يبقى للوقت أيُّ قيمةٍ . فأيُّ قيمةٍ للمال مثلاً إذا لم تشتري به أو تنوي الشراء به , وعندها سيصبح المال مجرد أوراقٍ ملوَّنةٍ. فقيمة المال فيما يشتريه و كذلك قيمة الوقت فيما ينجز فيه . وإذا كان المال بحاجةٍ لفعل شيء ما حتَّى يضيع , فإما أن تشتري به ما ليس له قيمة أو حتى أنَّك تُحرقه , فإنَّ الطامَّة الكبرى أنَّ الوقت لن يحتاج منك أي جهد حتى يضيع. فقط إبقى مكانك ولا تحرِّك شيئاً و الوقت سيضيع من تلقاء نفسه. سينسلُّ من بين يديك إنسلالاً.
كما يقول الشاعر
والوقتُ أثمنُ ما عُنيتَ بحفظهِ
وتُراه أسهلُ ما عليكَ يضيعُ
وتذكَّر أيضاً , إن الوقت قد يأتيك بالمال , ولكن لن تشتري لك أموالُ الدنيا كلُّها دقيقةً واحدةً زيادةً عن عمرك الذي كتبه الله لك.
الدنيا زهرةٌ سريعة الذبول , فأغتنموا سويعات العمر فيها وأنجزوا لدنياكم ما يبقى لكم به أثرٌ طيِّبٌ وبصمةٌ صالحةٌ في سجل الشرفاء. وأنجزوا قبل ذلك لآخرتكم من الصالحات ما ينفعكم الله به بعد ذبول الزهرة وموتها.
***
و أخيراً فإنَّ الزهور يا سادة أشكالٌ وألوانٌ و كلُّها جميل , ولكن فيها العاديُّ وفيها ما يأسِرُ القلوب ويخطف الألباب من سحره وجماله. فارضى بزهرتك و أحمد الله عليها ولا تنظر لزهرة غيرك .
وإن كان من حقِّك أن تُجملَّ زهرتك و ترعاها و تُنمِّيها , لا بل عليك فعل ذلك , فالحذر كلُّ الحذر من أن تحسد غيرك وتتمنى موت زهرته الأجمل من زهرتك , أو تحاول سرقتها منه , أو تحاول أن تجد لك زهرة مثلها بأيِّ طريقة أتيحت لك حتى و لو أسخطت ربَّك .
وبكل الأحوال فإيَّاك ثم إيَّاك أن تَتَسخَّط فلا تحمد الله على ما عندك من نعم. وتذكر دائماً أن زهرتك العاديِّة حتماً هي حلم شخص آخر زهرته مريضة أو عاديَّةٌ أكثر من زهرتك. فانظر لمن دونك في جمال الزهرة لترى نعمَ الله عليك , وإن حدث ونظرت لمن هو فوقك فأنظر نظرة تعلّمٍ وطموح مهذب بتهذيب الشرع وأخلاق الشرفاء.
قال تعالى ( وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ ).
والكلام أسهل من الفعل بكثير , لكن لا أقلَّ من نيَّة حاضرةٍ بالتغير نحو الأفضل.
وهكذا أودعت معنىً سامياً , في اللوحة الجميلة التقليدية التي لم تحمل أيَّ معنى , بعد أن صبغتها باللون الأزرق ورسمت عليها زهرة الحياة الدنيا.
وبعدها بأيامٍ رأيت صورةً لزهرةٍ أخرى , فأعجبتني فرسمتها , و اهديتها لزوجتي وكانت , ذات الدين... التي رأيتموها سابقاً.
دعبد الرحمن عبد الدايم.
القاهرة ٢٠٢١/٣/١٨
عمل فني / لوحة زيتية على كانفس ( زهرة الحياة الدنيا )
د عبد الرحمن عبد الدايم